السياسات التركية في سوريا وآفاقها من منظور تركي

مراد يشلطاش * عمر أوزكيزلجيك*

مقدمة
ال تزال سياسة تركيا الخارجية واألمنية في التعاطي مع األزمة السورية تخضع لتغييرات جوهرية منذ اندالع الصراع
السوري في العام 2011 ،فمع بداية األزمة كانت استراتيجية السياسة الخارجية التركية تهدف إلى احتواء األزمة بسالم
ها. ولما
ّ
ّي نتائج ملموسة لحل
وإحداث تحّول فيها وتوجيهها عبر تعزيز الديمقراطية، لك ّن محاولتها هذه لم تف ِض إلى أ
تصاعدت األزمة وتحولت إلى قمع أمني مع التكتيكات الوحشية التي اتبعها النظام السوري في مواجهة المعارضة والعمل
على تحجيمها داخل البالد، لجأت تركيا إلى تبنّي استراتيجية القيادة من الخلف، عبر تقديم الدعم السياسي لجماعات
المعارضة، وحققت خالل المرحلة األولى من هذه االستراتيجية تقدّما عارضة على المستويين ً كبيراً من حيث تعزيز قوة الم
السياسي والعسكري، إال أنّها أخفقت في تحقيق هدفها االستراتيجي المتمثل في اإلطاحة بنظام الرئيس بشار األسد.
ثم تحولت تركيا جذريا إلقليمية للصراع السوري، ً عن هذه االستراتيجية )القيادة من خلف(، بسبب ارتفاع التكلفة الداخلية وا
له تهديد تنظيم الدولة اإلسالمية من خطر ليس فقط على
ّ
خاصة بسبب حزب العمال الكردستاني، وما يمث الحدود التركية، بل
ّم بعد ذلك، وفي أعقاب فشل المحاولة االوأيضا- على الداخل في سوريا والعراق. وقد أصبح هذا الهاجس األخير أحد أهم الدوافع خلف تغيير العقلية التي تو ّجه
سياستي تركيا الخارجية واألمنية حيال األزمة السورية. ث نقالبية، غيرت أنقرة
استراتيجيتها مجددا . ً وبشكل جذري حيث انخر
طت في األزمة السورية عسكرياً
أطلقت أنقرة عملية “درع الفرات” العسكرية لتحييد تهديد تنظيم الدولة اإلسالمية، ثم أتبعتها بعملية “غصن الزيتون”
إلجهاض تهديد حزب العمال الكردستاني لتركيا، وأدى هذا التوجه الجديد في سياسة أنقرة الخارجية واألمنية إلى تغيّر في
عالقاتها مع كل من روسيا والواليات المتحدة األمريكية. وفي هذه المرحلة تحديداً، كانت أنقرة تجهد من أجل صياغة
أسلوب جديد في التعاطي مع ك ّل من موسكو وواشنطن بما يحقق مصالحها في سوريا على المديين القريب والبعيد. فقبل
ّل إحدى أهم القوى و
األزمة السورية، كانت تركيا تمث أبرز مراكز النفوذ اإلقليمي المؤثرة في التطورات الجيوسياسية في
المنطقة بأسرها، واليوم تجد نفسها ُمرغمة على بذل أقصى ما تملكه من قدرات جيوسياسية من أجل حماية مصالحها
االستراتيجية األساسية، والدفاع عن صون وحدة إقليمها الترابي، إلى جانب حماية وحدة األراضي السورية. وتتركز سياسة
تركيا تجاه سوريا اليوم حول ثالثة محاور: تحسين الوضع األمني وظروف الحياة اليومية للسوريين، ومحاربة
ّم تسريع عملية التحول السياسي والحفاظ على وحدة األراضي السورية. وفي الوقت الذي تترابط فيه
“اإلرهاب”، ومن ث
وجود معادالت أساسية مثل الديموغرافيا واالقتصاد والبعد العسكري، مع عدم إغفال الجغرافيا، سيجعل التقرير في مستقبل سوريا دون تركيا أمراً غير ممكن )رويترز

هذه األهداف فيما بينها، فإ ّن لكل واحد منها متطلبات مختلفة على مستوى األدوات والوسائل. وفي هذا الصدد، تستخدم
تركيا أدوات دبلوماسية وسياسية واقتصادية وعسكرية لمساعدة سوريا على الخروج من أزمتها.
هدف األمن وتحسين شروط العيش
تُولي السياسة التركية في سوريا أهمية لمسألة توفير األمن والمالذ اآلمن لعودة الالجئين إلى سوريا. حيث كان لتداعيات
الكارثة اإلنسانية)1 )في سوريا واستخدام أساليب الحصار)2 )من قبل األطراف المتحاربة، تأثير كبير على الشعب
السوري. كما تش ّكل الهجمات الجوية العشوائية)3 )واستخدام األسلحة الكيميائية)4 )والتقليدية في استهداف المدنيين،
مصدر قلق كبير لتركيا)5 .)هذا وتشارك تركيا بشكل كبير في حمالت المساعدات اإلنسانية)6 )من أجل مساعدة الشعب
السوري في تجاوز محنته، وتؤكد على ضرورة تهيئة الظروف لعودة آمنة وطوعية لالجئين والنازحين في الداخل السوري
إلى أماكن إقامتهم األصلية في سوريا)7.)
أفضت عمليتا درع الفرات)8 )وغصن الزيتون )9 )إلى تحرير مناطق من سيطرة تنظيم الدولة اإلسالمية وحزب العمال
الكردستاني، وقد س ّجلت تلك المناطق المحررة أكبر عودة لالجئين حتى هذا التاريخ. قدمت تركيا -أيض
ا- دع ً
ماً واسعاً
للمجالس المحلية والسكان المحليين بوسائل متنوعة من أجل تحسين ظروف معيشتهم من قبيل بناء مستشفيات ومدارس
وتشييد مناطق صناعية)10 .)بلغت أعداد الالجئين العائدين إلى المناطق المحررة 310 آالف شخص)11 ،)ولتشجيع
المزيد منهم على العودة، اقترح الرئيس التركي، أردوغان، بناء مشاريع بيوت سكنية بدال من المخيمات التي يعيشون فيها
حاليا)12 .)
ولك ّن األمن في هذه المناطق لم يبلغ المستوى المطلوب بعدُ، إذ ال تزال خاليا العصابات اإلجرامية و”التنظيمات اإلرهابية”
تعمل على زعزعة الوضع األمني. في المقابل، تشرف القوات المسلحة التركية على تدريب شرطة “الجيش السوري
الح ّر” و”عناصر الجيش الوطني” الخاضعين للحكومة االنتقالية، كما تدعم جهود مكافحة الجريمة المنظمة، مثلما حدث
مؤخرا )13 .)أ ّما أهم تحدي على صعيد محاربة اإلرهاب في المناطق المحررة، فيتمثل في ً من خالل دعم “عملية السالم”
تسلل عناصر “إرهابية”، وغالبا عبر ت ّل رفعت)14 ،)لتشتبك مع قوات الحماية هناك.
اعتمدت تركيا مع بداية األزمة السورية، سياسة األبواب المفتوحة أمام الالجئين السوريين، وكان دافعها األساس وراء هذه
المقاربة، وفقا للرئيس التركي، “مراعاة قيم الحياة البشرية والقيم الثقافية المشتركة والروابط المجتمعية بين الشعبين التركي
والسوري”)15 .)وكان االعتقاد السائد لدى الشعب والنخبة السياسية التركيين أ ّن الحرب السورية ستكون محدودة
وقصيرة)16 ،)غير أنّها امتدت لسنوات، ولم يبدُ في األفق أي مؤشر على قرب نهايتها، وارتفعت أعداد الالجئين حتى
تخطت حاجز المائة ألف الجئ بكثير، وهو الحدّ الذي وصف بالحاجز النفسي)17 .)وأدّى هذا األخير إلى زيادة التوتّر بين
السكان المحليين والالجئين السوريين)18 ،)ما دفع تركيا إلى تشجيع الالجئين على العودة إلى سوريا، لمواجهة هذه
الدينامية، وإلفشال عملية التطهير السكاني التي كانت تهدف لتمكين النظام السوري، الذي ال يمثل سوى “األقلية”)19)
في “عمليات تطهير”
وفتح الطريق أمام تنظيم و”حدات حماية الشعب”، المتورطة أيضا )20 )بغية فرض سيطرتها على ً
األرض.
محاربة اإلرهاب
الهدف االستراتيجي التركي الثاني هو محاربة اإلرهاب

أ ّما القضية “اإلرهابية” األخرى التي تُؤ ّرق تركيا فهي تمركز هيئة تحرير الشام و”جماعات متشدّدة” أخرى في إدلب،
فبالنّظر إلى وجود كثافة سكانية هناك تقدّر بـ3.3 ماليين نسمة)24 )وإلى السلوك العسكري لقوات النظام السوري
تربط مصيرها بمصير حياة ماليين المدنيين من السكان هناك، فكأنّهم رهائن عندها.
وروسيا، فإنّها -أي الهيئة- عملياً
وتحاول تركيا احتواء هيئة تحرير الشام بتقوية قوى المعارضة السورية األخرى، وبكسب ما أمكنها من الوقت إلى أن تجد
منافذ تسمح لها بتغيير المعادلة الداخلية في إدلب)25 .)
أ ّما بالنّسبة لقوات سوريا الديمقراطية، فإ ّن تركيا تنظر إليهم باعتبارهم “الخطر اإلرهابي” األكبر، بسبب الروابط الوثيقة
التي تجمع هؤالء مع حزب العمال الكردي)26 ،)وهي مستعدة التخاذ خطوات أحادية الجانب ضدّ قوات سوريا
الديمقراطية لحماية أمنها القومي)27 ،)إال أنّها ال تزال تفضل التوصل إلى ح ّل لهذه القضية بالتعاون مع حلفائها في الناتو.
من جهة أخرى، ر ّحبت تركيا بقرار أميركا االنسحاب من سوريا، وأبدت استعدادها للتعاون في هذا الصدد لقطع الطريق
على أ )28 .)لكن، في حال أص ّرت ّي جهة أخرى قد تسعى إلى ملء الفراغ الذي سيتركه انسحاب القوات األمريكية
واشنطن على توفير الحماية لقوات سوريا الديمقراطية)29 ،)فإ ّن أنقرة ستعدّ نفسها لخروج أمريكي من سوريا دون اتفاق،
وتبدو أنقرة مستعدّة التخاذ ما يجب من تدابير في هذا الصدد لتحقيق أهدافها)30 .)
إ ّن الدعم الذي تقدمه أنقرة إلى الشعب السوري وما تتمتع به من نفوذ في أوساط المعارضة السورية يمثالن إحدى نقاط
القوة التي تعتمد عليها في مقاربة األزمة السورية. فباإلضافة إلى استقبال تركيا لـ6.3 ماليين الجئ سوري على
، فإنّها تقدم دعما 350 ألف سوري في شمال حلب وعفرين)32 ،)وتحمي وتقدم المساعدات ً أراضيها)31 )لمليون و
اإلنسانية لما يقرب من 3.3 ماليين سوري في إدلب)33 .)ولكن، في الوقت الذي يبدو فيه المعطى الديموغرافي السوري
مالئما لطموحات تركيا، فهو يطرح مخاطر جديدة بالمقابل، حيث أدّى تدفق األعداد الكبيرة من الالجئين السوريين إلى
تركيا إلى ظهور توترات اجتماعية من حين آلخر في المجتمع التركي)34 ،)هذا باإلضافة إلى ما يضيفه الالجئون من
حمل اقتصادي سيكون على أنقرة تح ّمله، ومنه إنفاق 35 مليار دوالر فقط على إيواء الالجئين السوريين)35 .)
أ ّما بخصوص نفوذ تركيا في أوساط المعارضة السورية، فقد تو ّحدت قوات هذه األخيرة بدعم تركي، تحت قيادة مو ّحدة في
“الجبهة الوطنية للتحرير”)36 .)وإضافة إلى ما سبق، فإ ّن تركيا تدّرب وتقدّم التجهيزات العسكرية، وتقاتل جنباً إلى جنب
مع الجيش الوطني، الذي هو وحدة من وحدات الجيش السوري الحر)37 .)ولتركيا أيضا عالقات وطيدة بعدد من الجهات
المسلحة التي كانت، سابقا، تابعة للجيش السوري الح ّر، والتي يمكن إعادة تأهيلها لحمل السالح مجدد إ
ا ذا ما دعت الحاجة ً
لذلك، مثل مجلس الرقة العسكري)38 .)إ ّن هذا النفوذ، الذي بُني على امتداد سنوات، لم يضع تركيا في موضع الضامن
بالنّسبة للمعارضة السورية وحسب، بل أ ّهلها -أيضا- من
لتوظيف أعداد من المقاتلين ليكونوا جزءا عمليات القوات البرية ً
التي تنفذها أنقرة على طول حدودها مع سوريا.
ّل الجيش التركي والطبيعة الجغرافية الدعامتين األساسيتين المساعدتين على نشر القوة ال
هذا ويمث تركية داخل سوريا.
فتركيا ليست الجارة األكبر لسوريا فحسب، بل تمتلك أكبر قوة عسكرية في المنطقة)39 ،)وهي قادرة وعازمة على تنفيذ
عمليات عسكرية داخل سوريا لمحاربة “اإلرهاب”، وتلقى دعماً من المجتمع التركي)40 )ومن األحزاب السياسية على
حدّ سواء)41 .)لكن نقطة الضعف األبرز لدى تركيا تكمن في محدودية قدرات دفاعاتها الجوية، ما يجبرها على التنسيق
ّي حادث قد تتسبب فيه منظومة الصواريخ الدفاعية
مع موسكو بشأن العمليات داخل المجال الجوي السوري، بهدف تفادي أ
.S-400 الروسية
وتلعب تركيا دورا حاسما في معادلة توازن القوى في سوريا، إلى جانب القوتين الكبيرتين الروسية واألمريكية، إضافة إلى
حورا في الصراع، وبالمقابل ً خاصاً إيران، المنافس اإلقليمي لتركيا. تشكل روسيا وإيران ونظام األسد، حليفهما المحلي، م
آخر يتألف من أمريكا، متزعمة التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة اإلسالمية، وحليف
نجد محورا ها المحلي -قوات حماية ً
ثالثاً الشعب- عبر شراكتها
الذي تهيمن عليه قوات سوريا الديمقراطية. في حين ش ّك مع المعارضة لت تركيا محوراً
السورية. وتعتمد تركيا إزاء هذا الوضع، على مقاربة مج ّزأة، فمن ناحية تواجه أنقرة المحور الروسي اإليراني، وحليفهما
النظام السوري، من خالل شراكتها مع المعارضة السورية في إدلب، وتقديم حمايتها لهذه المنطقة عبر وضع 12 نقطة
مراقبة )42 .)ومن ناحية أخرى، تواجه المحور األمريكي -وحدات حماية الشعب-، من خالل مساعدتها في تأسيس
ّي لها، وكذلك عبر تنفيذ عمليات عسكرية على الحدود التركية
الجيش الوطني كحليف محل -السورية.

ومن المتوقع أن تكون المعادلة الحالية للوضع التركي، في توازن القوى، مح ّل مراجعة شاملة، إذ أ ّن إعالن االنسحاب
يمنح تركيا فرصا لحدودي مع ً األمريكي من سوريا)43 )جديدة للقضاء على “التهديد اإلرهابي” على طول شريطها ا
سوريا، ويسمح لها بكسب مزيد من األراضي لصالح حلفائها المحليين، ناهيك عن تعزيز وضعها العام في الصراع
السوري. لك ّن االنسحاب األمريكي يجلب -أيضا- معه مخاطر جديدة لتركيا، فعليها التوصل إلى اتفاق مع المحور الروسي-
يقاً اإليراني وحليفهما المحلي، نظام األسد، حول مرحلة ما بعد االنسحاب األمريكي من سوريا. لهذا، فإ ّن تنس عالي
وأميركا( سيكون أمراً ضرورياً المستوى بين الحليفين العضوين في الناتو )تركيا .
عملية التحول السياسي
أثبتت كل من تركيا وروسيا وإيران قدرة على تنفيذ االتفاقيات المشتركة بينهم على األرض، وكان ذلك خالل إجالء
المدنيين المحاصرين والمقاتلين من مدينة حلب)44 .)وفتح هذا النجاح، وهو األول على مستوى تنفيذ عملية مشتركة،
الطريق أمام عملية “أستانا” التي أطلقت دينامية جديدة في مسار الحرب السورية، حيث أصبحت الدول الثالث قوى
ضامنة)45 .)وبالمقارنة مع عملية جنيف المتعثرة)46 )وفشل المحاوالت الروسية-األمريكية المشتركة)47 )فإ ّن عملية
“أستانا” أثبتت أنها األكثر فاعلية.
تعتبر تركيا مسألة سيادة سوريا واستقاللها ووحدة أراضيها هدفها األساسي، وترفض بقوة أي أجندات انفصالية أو
محاوالت لرسم حدود جديدة في الشرق األوسط. كما تشدّد على ضرورة ح ّل الصراع من خالل عملية سياسية سورية-
سورية بإشراف ومساعدة األمم المتحدة، وعلى أساس قرار األمم المتحدة رقم 2254 .وتساند أنقرة تأسيس لجنة دستورية
في جنيف، وتعمل على تشكيل هيئة ينص ّب عملها على صياغة دستور جديد يستند إلى الديمقراطية والحريات العامة
ويكون مقبوالً من الشعب السوري )48.)
وإلحالل سالم واستقرار دائم في سوريا ال ترى تركيا أ )49 ،)لكنّها تحافظ على ّي دور لبشار األسد في مستقبل سوريا
خطوط تواصل مع نظام األسد عبر القنوات االستخباراتية)50 )وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية التركية بوضوح، إن
بالده ستفكر في تطبيع العالقات مع الحكومة السورية فقط في حال كانت منتخبة من قبل الشعب السوري بعد عملية
انتخابية حرة ومراقبة من قبل األمم المتحدة)51.)
ما الذي تنتظره تركيا في سوريا مستقبال؟
ّي تسوية محتملة للقضية السورية في المستقبل. حيث س
سيكون للدور التركي تأثير كبير على مخرجات أ يكون على تركيا
اإلبقاء على عالقاتها بالمعارضة السورية، وأن تضع مصالحها القومية في المقام األول، وأن تخطط لتسريع عمليات إعادة
أ ّن ال شيء من هذا سينفّ ّن ال موسكو وال طهران الالجئين إلى بالدهم. غير ذ إذا ما استمّر بشار األسد في السلطة، كما أ
تتحدثان عن انتقال السلطة في سوريا، لذا فإ ّن عزم تركيا وثباتها على مواقفها هو ما سيحدد مصير التسوية، كما أ ّن
سيطرتها على األرض داخل سوريا وأهمية دورها في مستقبل سوريا هو ما سيحدد حجم المطالب التي ستسعى لتحقيقها.
ستسعى تركيا إلى توظيف نفوذها داخل المعارضة السورية كورقة ضغط للدفع نحو تنفيذ أجندتها، لك ّن هذا يتوقف على
الطريقة التي ستنسحب أمريكا وفقها من سوريا، وقد تتمكن تركيا من إرغام نظام األسد على تقديم تنازالت كبيرة. فإذا ما
ّم نقل ميزان القوة في سوريا من الجانب األمريكي إلى أنقرة، ستكون واشنطن قادرة على فرض توازن
ت من خارج المجال،
وستعّزز من موقف أنقرة. ومن المحتمل أيضا أن تحاول موسكو وطهران إقناع أنقرة عبر التعّهد لها بتخليصها من
“التهديد اإلرهابي” لقوات حماية الشعب، على يد نظام األسد، إال أ ّن أنقرة ال تثق في هذه المقاربة وتص ّر على تحييد
“إرهاب قوات حماية الشعب” بنفسها، أل ّن هذا ما سيمكنها من تعزيز موقعها دون المس بموقفها من تطبيع العالقات مع
نظام األسد.
ال يزال رفض تركيا لالعتراف بشرعية الرئيس األسد، في الوقت الذي تعيد فيه دول عربية فتح سفاراتها في دمشق)52 ،)
العقبة الرئيسة أمام النظام السوري لتحقيق النصر في الحرب. فالدور التركي ليس استراتيجيا حيث النفوذ واالقتصاد ً من
والسياسة فحسب، ولكن له أيضا دولة عضو في حلف ً دوراً رمزياً هائالً كداعم رئيسي للمعارضة السورية باعتبار تركيا
الناتو. إن دور تركيا في تسوية الصراع في سوريا سيدفع بمطالب المجتمع السوري، التي رفعها في العام 2011 ،إلى
األمام، وسيكون النظام السوري مجبرا ا على طاولة المفاوضات. ً على تقديم تنازالت بالنظر إلى القوة التي ستتمتع بها تركي

لتركيا على
وقد تلعب القوى الدولية الفاعلة في سوريا، خاصة الواليات المتحدة األمريكية والدول األروبية، دوراً داعماً
صعيد تحقيق االستقرار في سوريا، وتأمين مستقبل ديمقراطي، وازدهار اقتصادي للسوريين، إذ أ ّن دعم الدول الغربية
للدور التركي سيعزز من موقف هذه األخيرة في المفاوضات. في حين أن االنتصارات العسكرية التي يحققها محور
روسيا-إيران-نظام األسد، باإلضافة إلى محاوالت بعض الدول العربية تطبيع عالقاتها مع دمشق)53 ،)وما يجري حالياً
من مناقشات حول إعادة نظام األسد إلى عضوية جامعة الدول العربية)54 ،)يبعث رسالة واضحة أنه ليس على نظام
األسد تنفيذ أي من المطالب األساسية التي نادت بها مظاهرات 2011 ،كشرط للحصول على المساعدة الدولية إلعادة
إعمار سوريا.
ال ش ّك في أ ّن آفاق دور تركيا في سوريا رهن بنتيجة الحرب والتسوية النهائية للصراع السوري، غير أ ّن وجود معادالت
أساسية مثل الديموغرافيا واالقتصاد والبعد العسكري، مع عدم إغفال الجغرافيا، سيجعل التقرير في مستقبل سوريا دون
أخذ تركيا في االعتبار أمرا )55 .)فمن المتوقع أن يكون ألنقرة دور مؤثر في مستقبل سوريا، ال سيما من ً غير ممكن
تلك التي تلقّت ت
خالل النخب السورية المؤيدة لها، وتحديدا عليمها في تركيا، فهؤالء سيكونون حراس البوابة التركية في ً
ّطرد، ألن العالقات
سوريا والعالم العربي. ومن المتوقع أن تتعاظم القوة الناعمة التركية بشكل م التي نسجتها تركيا مع
المجتمع السوري، على األرجح، ستزيد من قدرتها على تمتين عالقاتها مع السكان العرب والسوريين في المنطقة.
وعسكريا، فبحسب قدرة أنقرة في الحفاظ على وجودها العسكري في سوريا، ستكون بصمتها على هذا الصعيد في الشرق
األوسط.
ختاما، ومن منظور واسع، إ ّن أي دور تركي جديد ومستقر في سوريا سيكون له تأثيره على قدرة تركيا في التمدد والتوسع
إقليميا -مستقبال- الجسر الذي يربط بين تركيا ودول الخليج. وبشكل عام، فإ ّن أي تسوية حقيقية في ً، وقد تصبح سوريا
اقتصادية وسياسية أرحب لتركيا في المنطقة، وتساعدها على التوسع
سوريا، من شأنها أن تفتح آفاقا وتعزيز نفوذها فيها. ً
مالحظة: النص أعد باألصل في اللغة اإلنكليزية وترجمه إلى العربية كريم الماجري.
* مراد يشلطاش، أستاذ مشارك في جامعة العلوم السياسية في أنقرة، ومدير قسم الدراسات األمنية في مؤسسة “سيتا” في
أنقرة.
ّل في قسم الدراسات األمنية في “سيتا”، أنقرة.
* عمر أوزكيزلجيك، محل
مراجع

1- ‘Syria conflict at 7 years: ‘a colossal human tragedy’’ (2018), UNHCR, 9 March,
https://bit.ly/2SnRLxH (accessed 20 February 2019)
2- W. Todman (2017) ‘The Resurgence of Siege Warfare’, Contemporary Arab Studies Newsmagazine, Fall/Winter 2017,
https://bit.ly/2IkDfRn (accessed 20 February 2019)
3- ‘Death Everywhere – War Crimes and Human Rights Abuses in Aleppo, Syria’ (2015), Amnesty International,
https://bit.ly/2Ha0IYO (accessed 20 February 2019)
4- T. Schneider and T. Lütkefend (2019) ‘Nowhere to hide – The Logic of Chemical Weapons use in Syria’, Global Public Policy
Institute, February, https://bit.ly/2GDoNrF (accessed 20 February 2019)
5- ‘US military strikes in Syria positive but not enough: Erdoğan’, Hürriyet Daily News, 7 April,
https://bit.ly/2XBrGyg (accessed 20 February 2019)
6- P. Tank (2015) ‘Turkey as a humanitarian actor: the critical cases of Somalia and Syria’, Norwegian Peacebuilding Resource
Centre, March, https://bit.ly/2EKbFyH (accessed 20 February 2019)
7- ‘Joint Statement by the President of the Islamic Republic of Iran, the President of the Russian Federation and the President of the
Republic of Turkey, Tehran, 7 September 2018’ (2018), Republic of Turkey Ministry of Foreign Affairs, 7 September,
https://bit.ly/2NDBEL1 (accessed 20 February 2019)
8- M. Yeşiltaş, M. Seren and N. Özcelik (2017) ‘Operation Euphrates Shield Implementation and Lessons learned’, SETA, 14
November, https://bit.ly/2VyRn0p (accessed 20 February 2019)
9- N. Özcelik and C. Acun (2018) ‘Terörle Mücadelede Yeni Safha: Zeytin Dalı Harekatı’, SETA, 2 April, https://bit.ly/2GUO8x6
(accessed 20 February 2019)
10- Ö. Özkizilcik (2018) ‘Sharing the costs of rebuilding Syria’, The New Arab, 25 Seprember, https://bit.ly/2pSM0LV (accessed 20
February 2019)
11- ‘All we want is to ensure Syria’s territorial integrity’ (2019), Presidency of the Republic of Turkey, 14 February,
https://bit.ly/2GXBfCA (accessed 20 February 2019)
12- ‘Turkey, coalition forces to establish safe zone in northern Syria’ (2019), Daily Sabah, 13 February, https://bit.ly/2EtfKG1
(accessed 20 February 2019)
13- Ö. Özkizilcik (2018) ‘Combatting Criminal Gangs in Northern Syria’, The New Turkey, 26 November, https://bit.ly/2Uips4X
(accessed 20 February 2019)
14- Ö. Özkizilcik (2019) ‘Tel Rıfat Bölgesinde Yaşanan Çatışmalar’, Suriye Gündemi, 10 February, https://bit.ly/2Uipo5d (accessed
20 February 2019)
15- ‘Başbakan Erdoğan Reyhanlı’da halka seslendi’ (2013), Hürriyet, 25 May, https://bit.ly/2XvEwy5 (accessed 28 February 2019)
16- ‘Davutoğlu Esad’a ömür biçti’ (2012), NTV, 24 August, https://bit.ly/2SGrIRU (accessed 28 February 2019)
17- ‘Davutoğlu: “Sığınmacılar konusunda kırmızı çizgi aşıldı”’ (2013), CNN TÜRK, 26 October, https://bit.ly/2EKbZgK (accessed
28 February 2019)
18- Erol Özdemir (2017) ‘Suriyeli Mültecilerin Türkiye’deki Algıları’, The Journal of Defense Science, May, https://bit.ly/2C2PUbk
(accessed 28 February 2019)
19- Saleem Al-Omar (2018) ‘The Fractured Relationship of the Alawite Community and Assad Regime’, Atlantic Council,
https://bit.ly/2C1yzj2 (accessed 28 February 2019)
20- ‘SYRIA: US ALLY’S RAZING OF VILLAGES AMOUNTS TO WAR CRIMES’ (2015), Amnesty International, 13 October,
https://bit.ly/1GqaNfq (accessed 28 February 2019)
21- M. Yeşiltaş and Rıfat Öncel (2018) ‘Turkey’s counterterrorism strategy an assesment of the fight against DAESH’, SETA, 14
May, https://bit.ly/2GZ83eC (accessed 20 February 2019)
22- M. Giglio and M. Al-Awad (2017) ‘The Same Smuggling Routes That Helped Build ISIS Are Now Helping Its Members
Escape’, Buzz Feed, 19 December, https://bit.ly/2XzB2dP (accessed 20 February 2019)
23- ‘2018’te Türkiye’ (2018), SETA, 28 December, https://bit.ly/2Ukt9Xx (accessed 20 February 2019)
24- ‘Situation Overview: Idleb Governorate and Surrounding Areas’ (2018), REACH Research Center, May, https://bit.ly/2IQJjqB
(accessed 20 February 2019), p.1
25- M. Yeşiltaş and Ömer Özkizilcik (2019) ‘Interfactional Dynamics and the Future of Idlib’, SETA, 28 January,
https://bit.ly/2TdEuw5 (accessed 20 February 2019)
26- C. Acun and B. Keskin (2017) ‘The PKK’s Branch In Northern Syria PYD-YPG’, SETA, 14 April, https://bit.ly/2Tcel0K
(accessed 20 February 2019)
27- A. Kücükgöcmen and S. Dadouch (2019) ‘Turkey’s Erdogan says no satisfactory plan yet on north Syria safe zone’, 5 February,
https://reut.rs/2C54i2U (accessed 20 February 2019)
28- Z. Khodr (2018) ‘Turkey and US to coordinate Syria withdrawal and avoid vacuum’, Al Jazeera, 23 December,
https://bit.ly/2EKb67K (accessed 20 February 2019)
29- ‘US wants to protect Kurds in Syria: Trump’(2019), Rudaw, 2 January, https://bit.ly/2IQtqjZ (accessed 20 February 2019)
30- Ö. Özkizilcik (2019) ‘Turkey’s five objectives for safe zone in NE Syria’, Anadolu Agency, 24 January, https://bit.ly/2VyepVe
(accessed 20 February 2019)
31- ‘Syria Regional Refugee Response – Turkey’, UNHCR, https://bit.ly/2Br8P1R (accessed 20 February 2019)
32- ‘The importance of work in the liberated northern countryside area’ (2018), Syrian Interim Government Aleppo Provincial
Stabilization Committee, p.1
33- ‘Situation Overview: Idleb Governorate and Surrounding Areas’ (2018), REACH Research Center
34- ‘Turkey’s Syrian Refugees: Defusing Metropolitan Tensions’ (2018), International Crisis Group, 29 January,
https://bit.ly/2nsz1Ps (accessed 20 February 2019)
35- S. Hacaoglu (2019) ‘Erdogan Says Turkey Can’t Stand Alone Against New Migration Wave’, Bloomberg, 20 February,
https://bloom.bg/2VyuEBF (accessed 20 February 2019)
36- M. Yeşiltaş and Ömer Özkizilcik ‘Interfactional Dynamics and the Future of Idlib’
37- Ö. Özkizilcik (2018) ‘Turkish-Backed Organization Which Will Take Part In a Likely Military Operation East of the Euphrates:
The National Army’, Suriye Gündemi, 12 December, https://bit.ly/2TuTZ25 (accessed 20 February 2019)
38 -مجلس الرقة العسكري يعلن جاهزيته لتحرير المدينة من )YPG ،)قناة حلب اليوم، 24 ديسمبر/كانون األول 2018( .تاريخ الدخول 20 فبراير/شباط 2019)
https://bit.ly/2Het581
39- ‘Middle Eastern Powers Ranked by Military Strength’ (2018), Global Firepower, https://bit.ly/2xk6IZ6 (accessed 20 February
2019)
40- M. Aydin (2018) ‘Public support for cross-border operations’, Hürriyet Daily News, 1 February, https://bit.ly/2SGwRsQ
(accessed 20 February 2019)
41- ‘Main opposition parties in Turkey ‘fully support’ operation in Syria’ (2018), TRT World, 21 January, https://bit.ly/2TpEAQO
(accessed 20 February 2019)
42- M. Tosun (2018) ‘Turkey sets up 12th observation point in Syria’s Idlib’, Anadolu Agency, 16 May, https://bit.ly/2HdH1iG
(accessed 20 February 2019)
43- D. Nissenbaum, N.A. Youssef and V. Salama (2018) ‘In Shift, Trump Orders U.S. Troops Out of Syria’, The Wall Street Journal,
19 December, https://on.wsj.com/2SWy3sL (accessed 20 February 2019)
44- B. Hubbard and D.E. Sanger (2016) ‘Russia, Iran and Turkey Meet for Syria Talks, Excluding U.S.’, New York Times, 20
December, https://nyti.ms/2SIn0my (accessed 20 February 2019)
45- M. Tsvetkova and P. Hobson (2016) ‘Russia, Iran, Turkey say ready to broker Syria deal’, Reuters, 20 December,
https://reut.rs/2C3NY2x (accessed 20 February 2019)
46- R. Hall (2018) ‘UN envoy failed ‘mission impossible’ of bringing peace to Syria’, Independent, 19 October,
https://ind.pn/2SHWNEC (accessed 20 February 2019)
47- P. Wintour (2016) ‘US and Russia agree to enforce new Syria ceasefire’, The Guardian, 22 February, https://bit.ly/2tOCGuD
(accessed 20 February 2019)
48- ‘Joint Statement by the President of the Islamic Republic of Iran, the President of the Russian Federation and the President of
the Republic of Turkey
49- ‘Turkey sees no place for Assad in Syria’s future’ (2018), Daily Sabah, 26 September, https://bit.ly/2GWUb4v (accessed 20
February 2019)
50- D. Evans (2019) ‘Erdogan says Turkey has maintained contacts with Damascus’, Reuters, 3 February, https://reut.rs/2MLVmUc
(accessed 20 February 2019)
51- D. Zdhannikov (2018) ‘Turkey would consider working with Assad if he won a democratic Syrian election’, Reuters, 16
December, https://reut.rs/2SVH7OJ (accessed 20 February 2019)
52- T. Khalid (2018), ‘Kuwait expects more Arab countries to reopen embassies in Damascus – KUNA’, Reuters, 31 December,
https://reut.rs/2UjscPe (accessed 20 February 2019)
53- M. Young (2019) ‘As Arab States Normalize With Syria, Will This Push Them to Finance its Reconstruction?’, Carnegie Middle
East Center, 24 January, https://bit.ly/2DxcIRT (accessed 20 February 2019)
54- T. Perry (2019) ‘No consensus yet for Syria return: Arab League chief’, Reuters, 11 February, https://reut.rs/2INGVAM
(accessed 20 February 2019)
55- B. Duran (2019) ‘A post-Daesh strategy without Turkey is unrealistic’, Daily Sabah, 19 February,
https://bit.ly/2XAuDiv (accessed 20 February 2019)

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s